• شاهد النصر: مسك راشح من جنبات الكرامة
  • 11/03/2018

    عرار الشلول ومازن النعيمي - ​نصف قرن مضى على رغبة حسن عبد ربه، في التعبير عن حبه لزوجته بطلب يدها مرتين، تُعادلا الحسنيين نصراً وشهادةً، فالتحف لصمته مترجلاً عن فرسه البيضاء، واثق الخطى غير آبه لكونه حديث الزواج، أجهز بالخروج من منزله جنوب مأدبا "بدوياً خطت الصحراء لا جدوى خطاه موحشاً يرقب آثار الطلول".​


    "العريس" قطع وعداً لحوريته بكرامة أمة تعيش للأبد، بعد أن غابت أهازيج النصر عن زفافه لانتكاسات العرب المتتالية، فأراد لها النصر مصاغاً تزين به أناملها، ويقدم عباءة "الكرامة" للوطن.


    "سامق الروح حسن" التقى رفاق السلاح من كتيبة الدبابات الملكية الخامسة، وهم يعتلون دبابات تحتضن جنازيرها الطريق نحو نهر الأردن ووجهتهم الكرامة، يسابقون الرياح العاتية، وينشدون أهزوجة عز جديدة في تاريخ الوطن، ليقدم حسن الشهادة مجداً للوطن، فكان العريس الشهيد الذي نسج ورفاقه الوفاء بخيوط من نور على رواض الشمس.


                               الشهداء خالدون بيننا


    بماض ليس بقريب، كما تقول "يمنى الإبراهيم" ودعت زوجها "أبو فريد" الذي غادرها نحو تحقيق إحدى الحسنيين "النصر أو الشهادة"، ليلتحق مع رفاق أبويه لتكون كلمة الله هي العليا، وكلمة كل معتد أثيم الدنيا، فظفروا بنعمة من الله، ليسطروا أروع ملاحم البطولة والتضحية والفداء، وتسطع بعدها شمس كرامتهم على مسيرة وطن لا يرضى إلا "بالكرامة".


    بكلمات مليئة بالحب والحنان والكبرياءً، تفتخر يمنى الإبراهيم أرملة الشهيد محمد الباتع، بزوجها الذي كان على موعد مع النصر والشهادة، شاكرة الله على ما رزقها من نعمة لا تمنح إلا لمن آمن بربه ووطنه وأمته.


    وبالرغم من تعاظم المسؤوليات الملقاة على عاتقها حين فقدت زوجها وهي في عمر لم يتجاوز 19 عاماً، إلا أنها اختارت أن تربي وتحفظ أبناء الشهيد مهما كلفها الأمر، لتحول اللاشيء لكل شيء، وتحقق خير الخلف لما سلف، وتكمل مسيرة الكفاح التي انتهجتها العائلة.


    عملت "أم فريد" بالزراعة لتربي أطفالها، رافضة الزواج الذي اعتبرته لا يليق بزوجة شهيد، وبعد أن اشتد عود أولادها وغدوا شباباً، نذرتهم أيضاً للجيش العربي، ليكونوا مشاريع شهداء في سبيل رفعة الوطن والذود عنه، لتؤكد بعد أن شارفت على أبواب 70 عاماً، أنها تتوق للشهادة في سبيل وطنها الذي أحبها وأحبته.


                    تغطية مساندة وتعزيز لمعركة الحسم


    يروي المذيع السابق في الإذاعة الأردنية، جودت مرقة، ماهية الإعلام ودوره في تلك المرحلة، وكيف واكبت الإذاعة الأردنية "الكرامة" منذ انطلاق شرارتها الأولى، حيث كانت تتلقى البيانات العسكرية وتذيعها (11 بيانا عسكريا)، إضافة إلى إذاعة مختلف الأخبار والتقارير التي كانت تشير إلى سيطرة القوات المسلحة الأردنية وتقدمها في المعركة، ضمن تغطية إذاعية وصفها "بالواسعة والنوعية"، وكان لها الأثر الأكبر في شد أزر الشعب الأردني، خاصة بعد الهزيمة التي مني العرب بها في نكسة عام 1967، لترتفع الهمم والمعنويات نحو تحقيق النصر ودحر المعتدين.


    ويقول إنه في ظهيرة ذلك اليوم في 21 اذار 1968، ألقى الملك الحسين، طيب الله ثراه، كلمة أشار فيها إلى أهمية العمل العربي المشترك، ووحدة الصف، خاصة الدول المعنية بالقتال مع العدو، فيما لفت إلى بطولات الجيش العربي وبسالته وما قدمه من تضحيات جسام، وقال حينها "إن هذه المعركة هي معركة بطولية، فلولا هذه القوات لكان العرب سمعوا عنا وليس منا".


     ويضيف مرقة أنه في ذلك اليوم قدم برنامج "التعليق السياسي"، الذي كتب نصّه رئيس الدائرة السياسية في الإذاعة الأردنية ملحم التل، حيث بني على مرتكزات الرسالة الملكية وتأكيدها على دحر العدوان، وتحقيق النصر عبر الثبات والصمود.


    واستحضر خاتمة برنامجه في يوم الكرامة، التي صدح صوته بها قائلاً "قسماً يا قاهرة المعز، قسماً يا بغداد الرشيد، قسماً يا دمشق المجد والمروءات، قسماً يا جزائر الأوراس، قسماً أيها الأخوة والأشقاء في كل شبر من أرض العرب والمسلمين، قسماً ستظل عمان وصقر عمان وجيش عمان وشعب عمان، سنام الرمح وطليعة الفداء، تحدو للثأر، وتتحمل الصمود والاستشهاد"، لافتاً إلى اهتمام مختلف وسائل الإعلام والصحافة العربية والأجنبية لهذه الكلمات وتناولها في نشراتهم وأخبارهم، خاصة في ظل وجود العديد من الصحفيين العرب والأجانب في الأردن، لرصد تلك الأحداث وتغطيتها، والتعليق على الانتصار الأردني.


              شاهد الكرامة


    بملامحه القاسية وجبهته المتماسكة كسفوح الكرامة، التي تركت بصمتها على وجهه بُعيد إصابته في المعركة التي أبلى فيها بلاءً حسناً، تحدث الوكيل المتقاعد ذيب المومني بمعنوية عالية وكأنه حقق النصر للتو في المعركة، ويقول "إن الجندي الأردني حينما يهمّ إلى القتال يهمّ إلى فرح وسرور وفخر".


    ويضيف أنه كان مأمور ملاحظة في "الكرامة"، واجبه تحديد أهداف العدو وتمريرها ورفاقه لجهة البطارية "السرية"، مبيناً أنه بعد أن حمي وطيس المعركة، وازدادت حدة الاشتباكات لتصل إلى نقطة الصفر، باغتهم العدو بقذائف عديدة وصلت الخندق الذي كانوا يقاتلون منه، ما أدى إلى استشهاد ضابط الملاحظة الذي كان برفقته، فيما قام بعدها أشقاؤه من بواسل الجيش العربي بعد اصابته بنقله لتلقي العلاج.


    وكانت معلومات الاستخبارات الأردنية كشفت قبل المعركة بأيام، بوجود حشود إسرائيلية تتمركز غربي النهر، وأنها تتحضر لهجوم منتظر وفق المومني، موضحاً أن الجهاز الإعلامي الإسرائيلي كان يضخم العمليات الفدائية، ويركز على أن مصدرها بلدة الكرامة، كما ادعت أنها تريد التخلص من الفدائيين في هذه المنطقة، فحشدت قواتها على جبهة يقدر عرضها بنحو 100 كلم، امتدت من شمال البحر الميت حتى جسر الأمير محمد شمالاً، ما يؤكد سعيها لاحتلال مرتفعات السلط والجبال الغربية للأردن المشرفة على الأغوار، لتضع عمان في مرمى نيرانها، فتدعونا للتفاوض معها على الأردن بدلا من فلسطين والضفة الغربية.


    ويشير إلى إنقاذ الجيش العربي خلال المعركة لحياة العديد من "الفدائيين" الذين طلبوا النجدة نتيجة محاصرتهم وتطويقهم بشكل كامل من قبل العدو، لتقوم مدفعيتنا بفتح ثغرات تمكنهم من الخروج وكسر الحصار، عبر قصف مواقع تمركز الجنود الإسرائيليين وتشتيتهم.


    وقبل 48 ساعة من اشتعال المعركة، يقول الوكيل المتقاعد علي الزبون، أحد الأبطال الذين شاركوا في المعركة، إن الحشود العسكرية الإسرائيلية بدأت بالتمركز غربي النهر، في الوقت الذي كانت فيه قوات الجيش العربي الأردني ترصد هذه التحركات عبر ضباط الرصد والملاحظة، وبدأت القوات الإسرائيلية عند الساعة 4 فجر يوم المعركة بالاقتراب نحو نهر الأردن عبر ثلاثة محاور.


    وحول واجب بطاريته "سريته" يبين أنها كلفت بالقتال على المحور الجنوبي، وكانت مهمتها قصف المعابر التي يحاول العدو وضع جسور لمرور جنوده عبرها، مستذكراً في الوقت ذاته مشاهدته هو ورفاقه محاولات فرار العديد من جنود العدو من أرض المعركة، وكيف كان يرغمهم قادتهم على العودة للقتال ومحاولة العبور نحو شرقي النهر من جديد.


    ويضيف أنه بعد أن اشتعلت المعركة، بدأ النشاط والحماس يدب في مختلف المقاتلين الذين كانوا يصبون للنصر أو الشهادة، حيث قاتلوا ببسالة وشجاعة منقطعة النظير، ولم ينتظروا أي إسناد من أي أحد ليدافع عن أرضنا ويدحر الغاصبين المعتدين.


    ويبين الفريق الركن المتقاعد فاضل علي فهيد، أن الجيش الأردني أصيب بالإحباط عقب الهزيمة الكبيرة التي مني العرب بها عام 1967، "فالحرب حينها كانت مغامرة سياسية ولم يكن للأردن خيار فيها"، ما وضعت الملك الراحل الحسين، طيب الله ثراه، في موقف وخيارات صعبة، جعلته يدخل الحرب مع اعتقاده بأنها غير متكافئة، فشعر بعدها الجيش الأردني بأنه تعرض للخداع والظلم، لكونه لم يتسن له أن يقاتل كما عرف عنه ببأسه الشديد، لتتولد القناعات فكرياً ومعنوياً بضرورة الثأر لما فقدناه عام 1967.


    وقبل المعركة بثمانية وأربعين ساعة، يروي أن الاستخبارات الأردنية أرسلت رسالة إنذار للقوات المسلحة مفادها أن الهجوم أصبح وشيكاً، وقد يكون في صبيحة الخميس 21 آذار، فاستعد الجيش الأردني لخوضها.


    ويتابع فهيد... ان إسرائيل فوجئت أثناء هجومها بما واجهته من قوة ودقة متناهية في إصابة الأهداف، فألحق الجيش العربي الأردني خسائر فادحة بقواتها، كما وصل القتال لمسافات غير مسبوقة في الحروب العالمية، وكنا نشاهد ونسمع صراخ الجرحى والقتلى منهم عندما نصيبهم، الأمر الذي دفع إسرائيل لتطلب وقف المعركة بعد فشلها الذريع عند الساعة 11.30 ظهراً، إلا أن الملك الحسين رفض ذلك، وأصر على "عدم وقف إطلاق النار طالما أن هناك جندي إسرائيلي واحد شرقي النهر"، وظلت إسرائيل تقاتل كسباً للوقت إلى أن خيم الظلام وانسحبت تاركة خلفها خسائر فادحة للمرة الأولى بتاريخها.


            الأردن يغير معادلات الحرب


    ويقول الخبير العسكري العميد الركن المتقاعد أحمد الحويان، ان الجندي الاردني أثبت في هذه المعركة شجاعته وقتاله الشرس، رغم تواضع الإمكانيات والتجهيزات من جهة، والظروف الصعبة التي كانت تمر بها المنطقة بعد نكسة 1967 واحتلال إسرائيل للضفة الغربية من جهة أخرى.


    ويضيف، ان أبرز الدروس المستفادة من "الكرامة" تتثمل في أن الجندي الأردني لديه القدرة على تحقيق النصر ببسالة في أي زمان ومكان، والاستفادة من طبيعة الأرض التي لا تصلح أساساً لقتال الدبابات، إلى جانب التدريب الجيد الذي أبرزته الجهود العسكرية الأردنية في تلك الفترة، ودقة إصابة الأهداف، حيث سجل أحد المدافع رقماً قياسياً بإطلاقه نحو 4 آلاف قذيفة خلال المعركة، وهذا لا يسجله سوى مدافع متطورة جداً، الأمر الذي عكس التصميم والإرادة نحو تحقيق النصر مهما بلغت الأسباب، مبينا أنه عند انتصاف شمس اليوم كان الجيش العربي حسم معركته وأُنصف العرب، وثأر لما فقدوه قبل نحو 9 أشهر من "الكرامة"، فسجل انتصاراً غير مسبوق وقهر أسطورة من لا يقهر، فتبددت طموحات العدو.


    ويشير الحويان إلى التلاحم الذي كان سمة أظهرت حجم وقوف المواطنين لجانب جيشهم، حيث قاموا بتحضير الخبز والطعام لتقديمه للجنود، وإيصال ذخيرة المدفعية بمركباتهم إلى مواقع الجنود إسنادا منهم للمقاتلين.


    وفي ذات الصدد، يلخص فهيد الدروس المستفادة من "الكرامة"، في إثباتنا للعرب أن الجيش الإسرائيلي يمكن قهره وليس كما يصوره البعض، كما يمكن رصد ما تناولته الصحف العربية والعالمية ومختلف القادة والشخصيات السياسية والعسكرية حول الانتصار الأردني، الذين أجمعوا على حقيقة مفادها "أن الجيش الأردني قد حطم أسطورة الجيش الذي لا يقهر"، ليغير الأردن المعادلة وترتفع مكانته.


    ويضيف، ان الكثرة لا تعني التفوق " كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإذْنِ اللَّهِ"، كما أن للقيادة، التي كانت تشحذ الهمم في نفوس الشعب والجيش في آن واحد، ليقفوا رغم حجم الخسائر الفادحة عام 1967، الدور الأبرز في تحقيق النصر المؤزر، فالتخطيط والتنسيق المحكم للمعركة يصنع النصر، ويقول: "في لغة المعارك والحروب إذا ما تحقق الهدف يصبح قياس الخسارة ثانويا، وبالتالي؛ قمنا بدحر الغازي عن بلادنا، فتحقق الهدف، وانتصرنا".​


    0636562862274232024.jpg

    0636562855076223382.jpg

    0636562853875645273.jpg

    0636562852674443163.jpg

    0636562851473553054.jpg

    0636562850273130945.jpg
     

    0636562856274149486.jpg

    أقوال مأثورة



    يسرني أن تكون فاتحة عهدنا تعديل الدستور الاردني وفق الاوضاع الدستورية السائدة في العالم

    الملك طلال بن عبد الله

    هل تعلم؟

    أن الخدمات الطبية الملكية تتميز بالكفـاءات الفنيــة المؤهلة والمدربـة ذات المهـــارات العالية في كافة التخصصات الطبية.